يحيي بن حمزة العلوي اليمني

139

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

أعدل الأزمان ، قد شبه بسن الصبا في الأسنان ، وفيها التفاح الذي رق جلده ، وعظم قده ، وتورد خده ، وطابت أنفاسه ، فلا بان الوادي ولا رنده ، وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر ، ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر ، وفيها العنب الذي هو أكرم الثمار طينة ، وأكثرها ألوان زينة ، وأول غرس اغترسه نوح عليه السلام عند خروجه من السفينة ، فقطفه يميل بكف قاطفه ، ويغرى بالوصف لسان واصفه ، وفيها الرمان الذي هو طعام وشراب ، وبه شبهت نهود الكعاب ، ومن فضله أنه لا نوى له فيرمى نواه ، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من فاكهة سواه ، وفيها التين الذي أقسم الله به تنويها بذكره ، واستتر آدم بورقه إذ كشفت المعصية من ستره ، وخص بطول الأعناق ، فما يرى بها من ميل فذاك من نشوة سكره ، وقد وصف بأنه راق طعما ، ونعم جسما وقيل هذا كنيف مليء شهدا ، لا كنيف مليء علما ، وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله ، ويشغل بلذة منظره عن لذة أكله ، وهو الذي فضل ذوات الأفنان بعرجونه ، ولا تماثل بينه وبين الحلواء فيقال : هذا خلق الله فأروني ما ذا خلق الذين من دونه ، وفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة وأصنافها ، وكلها معدود من أوساطها لا من أطرافها ، ولقد دخلتها فاستهوتنى حسدا ، ولم ألم صاحبها على قوله « لن تبيد هذه أبدا » . فما هذا حاله من الأوصاف يقال له إطناب ، لأن كل صفة لم تخل عن فائدة جديدة . ومن الأمثلة الرائقة في الإطناب ما قاله ابن الأثير أيضا على جهة المقابلة لإيجاز كتاب طاهر بن حسين إلى المأمون لما هزم عسكر عيسى بن ماهان وقتله ، وقد ذكرنا كتابه الذي أوجز فيه إلى المأمون فقال ابن الأثير مقابلا له بالإطناب فيه ، وهو قوله : صدر الكتاب وقد نصرنا بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة ، وانقلبنا باليد الملأى والعين القريرة ، وكان انتصاره بحد أمير المؤمنين لا بحد نصله ، والجد أغنى عن الجيش وإن كثر إمداد خيله ورجله ، وجيء برأس عيسى بن ماهان وهو على جسد غير جسده ، وليس له قدم تسعى ولا يد فيقال يبطش بيده ، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه ، وحسدت الضباع الطير على مكانها منه وهو غير محسود على مكانه ، وأحضر خاتمه وهو الخاتم الذي كان الأمر يجرى على نقش أسطره ، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه فحال ورود المنية دون مصدره ، وكذلك البغى مرتعه وبيل ، ومصرعه جليل ، وسيفه وإن مضى فإنه عند الضرب كليل ، وقد نطق الفأل بأن الخاتم والرأس مبشران بالحصول على خاتم الملك